أحمد مصطفى المراغي
41
تفسير المراغي
وبين القصصين مناسبة ظاهرة ، ومن ثم ذكرهما مقترنين في سورة آل عمران وهنا وفي الأنبياء ، وبدأ بقصة يحيى لأن خلق الولد من شخصين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من خلق الولد بلا أب ، ثم ثنّى بقصة عيسى لأنها أغرب من تلك . ومن حسن طرق التعليم والتفهيم التدرج بالانتقال من الأقرب منالا إلى أصعب منه ، وهكذا صعدا . الإيضاح ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ) أي وأتل أيها الرسول في كتاب اللّه الذي أنزله إليك بالحق ، قصص مريم بنت عمران حين اعتزلت من أهلها وانفردت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس لتتخلى للعبادة . وعن ابن عباس أنه قال : إني لأعلم خلق اللّه لأي شئ اتخذ النصارى المشرق قبلة ، لقول اللّه عزّ وجل : « إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا » فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة ؟ . ( فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) أي فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس ، فأرسلنا إليها جبريل عليه السلام فجاءها بصورة رجل معتدل الخلق ليعلمها بما يريد بها من الكرامة بولادة عيسى عليه السلام من غير أب ، إذ ربما يشتبه عليها الأمر فتقتل نفسها أسى وغما ، وإنما مثّل لها بهذا المثال ، لتأنس بكلامه ، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته ، ولأنّه لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه ولم تستطع محاورته . ثم حكى عنها سبحانه ما قالته حينئذ فقال : ( قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) أي فلما رأته فزعت منه وقالت :